واقع الحراك القانوني ..!

هذه الأيام أصبح الحراك القانوني طاغياً على الساحة وملفتاً مقارنة بالأعوام الماضية، وهذا يعبّر عن ارتفاع الوعي وانتشاره.
وأقصد بالحراك القانوني على أكثر من شق، الأول حركة صدور مجموعة من الأنظمة الجديدة في شكل متلاحق «نظام المرافعات الشرعية، ونظام الإجراءات الجزائية، ونظام المرافعات أمام ديوان المظالم»، كما أنه سبق أن صدرت العديد من الأنظمة المتخصصة التي تتكامل مع هذه الأنظمة الثلاثة، ومنها أنظمة القضاء وديوان المظالم والتنفيذ والتحكيم وغيرها في الفروع الأخرى، وما زلنا ننتظر أن تتواصل حركة صدور الأنظمة حتى تتكامل المنظومة القانونية في معظم مجالات الحياة، والأنظمة التي صدرت أكثر من أن تحصى في هذه المقالة.
إن التعديلات الجديدة التي أدخلت على بعض الأنظمة ما هي إلا ترتيباً للمؤسسة القضائية من الداخل من جديد، وإعادة تقسيم المحاكم من جديد وجعلها متخصصة أكثر من السابق. فالقضايا الجنائية بأنواعها تكون من اختصاص المحاكم الجزائية على خلاف التقسيم السابق، إذ كانت في النظام القديم القضايا الجنائية بين المحاكم العامة والجزائية بحسب ترتيب معين، والقضايا الحقوقية بتفاصيلها ستنتقل داخل المحاكم العامة بحسب النظام الجديد، وكانت بالنظام القديم المبالغ التي أقل من 20 ألف ريال من اختصاص المحاكم الجزائية، وسينتقل اختصاص نظر قضايا الأحوال الشخصية التي كانت من اختصاص المحاكم

خاصة بها، وهيئات تسوية الخلافات العمالية والهيئة العليا لتسوية الخلافات العمالية ستنسلخ من وزارة العمل وتكون محاكم عمالية تحت مظلة وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء، والمحاكم التجارية والدوائر الجزائية التابعة ستنسلخ من ديوان المظالم وتكون تحت مظلة وزارة العدل كذلك والمجلس الأعلى للقضاء. وكذلك ستنسلخ دوائر التدقيق الجزائي بقضاتها ومعاونيها ووظائفهم من ديوان المظالم إلى محاكم الاستئناف التابعة للقضاء العام، وهذه الحركة ستكون على مراحل زمنية تتم فيها العملية الانتقالية والعملية التنفيذية في شكل متدرج خلال مدة لا تتجاوز الأعوام الثلاثة المقبلة، بعد التعديل الأخير الذي جرى لنظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية ونظام المرافعات أمام ديوان المظالم، والتي يحددها المجلس الأعلى للقضاء والمجلس القضاء الإداري، ومن يرد الاستزادة فليرجع إلى نظام القضاء الجديد الصادر في 1428هـ.
الشق الثاني، توسع حركة التعليم القانوني داخل المملكة، بعد أن كانت الدراسة القانونية البحتة مقصورة على كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة الملك سعود وجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ودراسات عليا «ماجستير وظيفي» في معهد الإدارة، وقسم السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لكن في الأعوام الأخيرة تم تأسيس كليات قانونية في معظم الجامعات الرسمية وكذلك الأهلية للطلاب والطالبات، وهي في البدايات والجيل الجديد من الدارسين ينتظرون لفتة اهتمام أكثر والسرعة في تيسير سبل الدراسة ومواصلة الدراسات العليا في التخصص ذاته، مقارنة بالتخصصات الأخرى التي تم الاعتناء بها، كذلك انتشار البرامج القانونية عبر الوسائل الإعلامية والدورات والملتقيات وحركة التأليف الأكاديمي والبحوث والمواقع الإلكترونية التي توفر المعلومة القانونية، وكل ذلك يعتبر في البدايات، والمشوار طويل.
الجيل الجديد أكثر انفتاحاً وإقبالاً على الحياة وفهماً للواقع ومعرفة لتفاصيل حياة المجتمعات الأخرى وطريقة نظامها وطريقة تعاطيها مع الحياة وظروفها ومواجهة الأزمات، بغض النظر عن البعد الجغرافي والاختلافات الثقافية وغيرها بحكم أن العالم أصبح قرية إلكترونية واحدة.
خلاصة القول، إن الحراك القانوني في الأعوام الأخيرة بالمملكة يعتبر نقلة نوعية

يجب الاحتفال به، ويحتاج هذا الحراك من أجل المحافظة عليه استثماره والاستمرار فيه والاستدراك ومعالجة النقص والتأخر في التطبيق، وتركيز الجهات التعليمية على تأسيس جيل مؤسس علمياً وخلق مجتمع واع

قانونياً، يعرف ما له وما عليه.

كُتب في قانون | التعليقات مغلقة

حوادث التحرش ..

من خلال المتابعة للحراك الاجتماعي، تحصل بين فترة وأخرى قضية تحرش أو معاكسة تستفز المجتمع بطريقة سلبية فيها استنزاف لطاقاته النفسية وإرهاقه فكرياً، فيغرق المجتمع في الصراع حول مسائل، من الملاحظ أنها لا تحتل مقام المسائل الأصولية المغيبة عن الطرح، وهي الأساس في التناول. وكما هو معلوم فإن قضايا التحرش والمعاكسات لا تستحق أن تترك محلاً للصراع بين الأطراف من دون تدخل للسلطات المعنية. وهي من المسائل التي يمكن معالجتها من خلال إصدار نظام مستقل في «مكافحة التحرش»، يجرم من يمارس ذلك بأي شكل من الإشكال، بداية من التحرش البصري والتحرش اللفظي واللمس وغيرها من الأساليب التي تكون عبر الوسائل الحديثة التي سهلتها البرامج، وشبكات التواصل الاجتماعي، سواء أكان المجرم ذكراً أم أنثى. وقضية التحرش لا تستحق أن تأخذ

كل هذا الوقت، وتستنزف المجتمع في شكل سلبي من دون علاج، فتظل محلاً للصراعات الفكرية. ويستحسن الاستفادة من دول سبقتنا بمراحل في معظم الجوانب الحياتية، وخصوصاً في معالجة قضايا التحرش على رغم الاختلاف الثقافي والديني والتكوين الاجتماعي، وذلك من خلال توظيف قوانينهم التي تكون مكملة للحلول التي لدينا.

صدر العديد من الأنظمة المحلية التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان وإكرامه، ومن هذه الأنظمة التي صدرت أخيراً «نظام الاتجار بالبشر» الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/40 تاريخ 21-7-1430، وكذلك «نظام الحماية من الإيذاء» الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/52 تاريخ 15-11-1434هــ، وما زلنا بحاجة إلى المزيد من القوانين، لكي تتكامل المنظومة القانونية الجنائية. ومن الجرائم

كُتب في قانون | التعليقات مغلقة

المسؤولية التقصيرية …

موضوع المقال اشتهر قديماً عند الفقهاء بالضمان، واشتهر في العقود الأخيرة لدى فقهاء القانون بعنوان: «المسؤولية التقصيرية»، وأخذ مساراً جديداً ممتداً من الماضي، وتطور بحكم التطورات في حياة الإنسان عبر التاريخ وما وصل إليه، وهناك من الباحثين من يطلق عليه «الجرائم غير المقصودة»، فلذلك كان من العدل تقرير مسؤولية كل شخص عن الضرر الذي ينتج عنه نحو الآخرين، وحماية من ضياع الحقوق ووقوع المنازعات والمشاحنات وإطفاء فتيلة الانتقام التي تنبعث في نفس المتضرر ضد مسبب الضرر له، وكذلك لتضييق الخناق على من يعبث في ممتلكات وحقوق الناس، ويتستر تحت غطاء دعوى الخطأ، وغير ذلك من أجل سقوط حق الآخرين ونحوه.
في الوقت الراهن العالم يعيش تقدماً صناعياً يختلف عن كل العصور التي مضت، من حيث انتشار المصانع والآلات

ووسائل النقل الحديثة وغيرها من المستجدات، وما ينتج عنها من أضرار وأخطاء بين البشر لم تكن معروفة في السابق بهذا الشكل… والشريعة والقانون عالجا ذلك في سبيل تحقيق العدالة، والحد من ظاهرة التقصير والإهمال والخطأ والتهور نحو الآخرين في حال طبقت المعالجة بالشكل الذي يجب وعلى أفضل وجه يليق وينبغي، والملاحظ مع أننا في ظل اتساع الإدارات التي تشرف على الأعمال والمشاريع

ووضوح التعليمات والأنظمة للجميع، إلا أن هناك قصوراً وأخطاءً واستهتاراً لا تزال باقية على سطح

الواقع من دون مبادرة في معالجتها وبازدياد لافت.
الأخطاء والأضرار التي تقع في حق الآخرين غالباً هي من نتاج الإهمال والتقصير من المصانع والشركات والمستشفيات وغيرها من ناحية أخذ الحيطة والاستعداد لسلامة الآخرين، فالغالب من أصحاب المصانع والشركات همهم الأول جلب الأرباح من غير الاكتراث بالقوانين الأخرى التي تضبط ما ينتج عنهم من أضرار نحو الآخرين، وهذا الإهمال والخسائر في الأرواح البشرية، التي نراها تتكرر بشكل شبه يومي، هو نتاج ضعف دور الجهات المعنية بالرقابة، وفي تطبيق النظام بشكل دقيق، ومحاسبة من يقصر في ذلك، وكذلك جهل الكثير في طريقة الآليات والإجراءات التي يتم بها المطالبة بالتعويض للمتضرر ومحاسبة المتسبب في ذلك. كما لا يخفى على القارئ والباحث أن مثل هذا الموضوع ضخم جداً وأكبر بمئات المراحل من أن يختصر في مقال عابر، ولكن القصد هنا الإشارة لأهميته، وكذلك بحكم تطور حال الإنسان والواقع الصناعي، وما ينتج عن ذلك من أضرار وأخطاء نحو البشر، ولهذا من الواجب بث الوعي الشرعي والقانوني في معالجة ذلك.
خلاصة القول، إن الوعي الشرعي والقانوني يوقظان حس المسؤولية والاحتراز من الوقوع في فخ الخطأ والضرر، ويدفعان نحو الأخذ بالحيطة اللازمة والكافية، ومعرفة طريقة الحصول على التعويض في حال وقع ضرر على الإنسان، والعبرة هنا في المطالبة بتفعيل دور الجهات المعنية في معالجة الضعف والقصور بشكل حازم وسريع، ورفع كمية الوعي في موضوع شبه مغيب عن الطرح والنقاش.

كُتب في قانون | التعليقات مغلقة

نقل الدم .. نظرة قانونية ..

بعد حادثة فتاة جازان التي ابتليت بمرض الإيدز عن طريق عملية نقل دم ملوث بالخطأ، يجعلنا نسلط الضوء على البعد القانوني لمسألة عملية نقل الدم، وهي قضية حساسة وخطرة ومهمة في إنقاذ المرضى من الأزمات التي تصيبهم، فمنهم من يحتاج لعملية نقل الدم بشكل دائم لظرفه الصحي الملازم له، والبعض مسألة وقتية لظرف طارئ وقتي فقط، وبسبب ذلك ولكثرة الحالات التي تحتاج لعملية نقل الدم في ظل انتشار الفيروسات والأمراض، يتبعها أخطاء طبية وقصور كحال فتاة جازان المؤلمة، والقانون هنا دوره تقنين الأخطاء الطبية والحد منها، ومحاسبة المقصرين من الأطباء والممرضين ومساعديهم وتعويض كل متضرر.

الموضوع إذا لم يعط حقه الطبيعي من ناحية الاهتمام والمتابعة الصحية الدقيقة لعملية نقل

الدم وتوفير البيئة المناسبة لذلك من الجهات المعنية بذلك، ولم يعالج قانونياً، فهذا ينتج عنه كوارث صحية لا تعوض بأي ثمن يكون! والخطأ الطبي يعرفه شرف الدين محمود في كتابه «المسؤولية التقصيرية للأطباء»: «بأنه انحراف الطبيب عن السلوك الطبي العادي والمألوف، وما يقتضيه من يقظةٍ وتبصّر إلى درجة يُهمل معها الاهتمام بمريضه»، والخطأ الطبي كما عرفته الماده 27 من نظام مزاولة المهن الصحية السعودي، الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/59، بتاريخ 11 – 4 – 1426هـ، أنه هو كل خطأ مهني صحي صدر من الممارس الصحي، وترتب عليه ضرر للمريض يلتزم بالتعويض، وتحدد الهيئة الصحية الشرعية المنصوص عليها في هذا النظام مقدار هذا التعويض، ويعد من قبيل الخطأ المهني الصحي ما يأتي:

1- الخطأ في العلاج، أو نقص المتابعة.

2- الجهل بأمور فنية يفترض فيمن كان في مثل تخصصه الإلمام بها.

3- إجراء العمليات الجراحية التجريبية وغير المسبوقة على الإنسان بالمخالفة للقواعد المنظمة لذلك.

4- إجراء التجارب، أو البحوث العلمية غير المعتمدة، على المريض.

5- إعطاء دواء للمريض على سبيل الاختبار.

6- استعمال آلات أو أجهزة طبية من دون علم كافٍ بطريقة استعمالها، أو من دون اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بمنع حدوث ضرر من جراء هذا الاستعمال.

7- التقصير في الرقابة والإشراف.

8- عدم استشارة من تستدعي حال المريض الاستعانة به.

ويقع باطلاً كل شرط يتضمن تحديد أو إعفاء الممارس الصحي من المسؤولية.

عملية نقل الدم يسبقها خطوات أساسية وضرورية قبل اتخاذ أي إجراء معين، وهي أن يكون نقل الدم من المتطوع السليم إلى المريض تحت إشراف الأطباء المتخصصين، وأن يكون الشخص المأخوذ منه الدم سليماً وخالياً من الأمراض الخطرة والمعدية، وألا يكون المتبرع من متعاطي المخدرات وغيرها، والتأكد من أن فصيلة المتبرع متوافقة مع فصيلة المريض، وأن يتم حفظ الدم كما يجب وفق المطلوب علمياً وطبياً لكي لا يفسد وغيرها.

وللمتضرر حق التقدم للجهة المختصة بنظر دعاوى الأخطاء الطبية وهي الهيئة الصحية الشرعية التي نص النظام على اختصاصها بالنظر وإخبارهم بشكواه ومتابعة قضيته، وعليه عبء الإثبات الذي يعتبر ركناً أساسياً في إثبات الخطأ الذي نتج عنه الضرر.

*نقلا عن “الحياة” اللندنية.

كُتب في قانون | الوسوم: | التعليقات مغلقة

جديد نظام الإجراءات الجزائية (3-3)

هذه المقالة تكملة لما سبق طرحه، وهو التركيز على الفروق الجوهرية بين النظام القديم والجديد في موضوع «طرق الاعتراض على الأحكام».

والحديث هنا مقصور على النقض، ويعتبر من الطرق الجديدة في الاعتراض على الأحكام في النظام السعودي،

ومواد النقض تتكون من ست مواد (من المادة 198- حتى المادة 203).

والمنظم أعطى الحق للمحكوم عليه وللمدعي العام وللمدعي بالحق الخاص الاعتراض بطلب النقض أمام المحكمة العليا على أحكام الاستئناف وقراراتها التي تصدرها أو تؤيدها.

والنظام حدد حالات الاعتراض في أربع فقرات من المادة (198) من النظام الجديد، وهي:

1- مخالفة أحكام الشريعة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض معها. 2- صدور الحكم من محكمة «يقصد بها الدائرة» غير مشكلة تشكيلاً سليماً طبقاً لما نص عليه نظاماً. 3- صدور الحكم من محكمة أو دائرة غير مختصة. 4- الخطأ في تكييف الواقعة أو وصفها وصفاً غير سليم.

وجعل النظام مدة الاعتراض بطلب النقض 30 يوماً، وفي حال لم يتقدم المعترض بلائحته الاعتراضية خلال هذه الفترة الزمنية المحددة يسقط حقه في طلب النقض، كما نصت المادة (199) على ذلك.

ومن ضمن إجراءات الاعتراض بطلب النقض التي من الواجب التقيد بها من صاحب الاعتراض، هي:

1- إيداع «المذكرة الاعتراضية» لدى إدارة محكمة الاستئناف التي أصدرت الحكم أو أيدته، مشتملة أي المذكرة الاعتراضية على البيانات المتعلقة بأسماء الخصوم وعناوينهم وبيان الحكم المعترض عليه، ورقمه وتاريخه والأسباب التي بني عليها الاعتراض وطلبات المعترض وتوقيعه وتاريخ إيداع «مذكرة الاعتراض».

2- يجب على محكمة الاستئناف أن تقيد «مذكرة الاعتراض» في يوم إيداعها في السجل الخاص بذلك، وترفعها مع صورة ضبط القضية وجميع الأوراق إلى المحكمة العليا خلال مدة لا تزيد على ثلاثة أيام من تاريخ انتهاء مدة الاعتراض، كما نصت الفقرتان (1-2) من المادة (200). وتنظر المحكمة العليا الشروط الشكلية في الاعتراض المتعلقة بالبيانات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة (200) من هذا النظام، وما إذا كان صادراً ممن له حق طلب النقض ثم تقرر المحكمة قبول الاعتراض أو عدم قبوله شكلاً.

فإذا كان الاعتراض غير مقبول من حيث الشكل، فتصدر المحكمة قراراً مستقلاً بذلك، وإن

قبلته فتفصل فيه استناداً إلى ما في الملف من الأوراق من دون أن تتناول وقائع القضية، فإن لم تقتنع بالأسباب التي بني عليها الاعتراض أيدت الحكم، وإلا نقضت الحكم كله أو بعضه مع ذكر المستند، وتعيد القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتحكم فيها من جديد من غير القاضي الذي نظرها، وإن كان النقض للمرة الثانية، وكان الموضوع صالحاً للحكم، وجب عليها أن تحكم في الموضوع، كما تنص المادة (202).

كذلك، «لا يجوز التمسك أمام المحكمة العليا بسبب لم يرد في «مذكرة الاعتراض»، ما لم يكن السبب متعلقاً بالنظام العام، فتأخذ به المحكمة من تلقاء نفسها» (203).

وأخيراً، فإن النظام حدد المدة التي تصدر خلالها اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية، وبلغني أن المجلس الأعلى للقضاء شكل عدداً من اللجان، لوضع اللوائح بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وهي تعمل منذ أن شكلت على قدم وساق لصياغة لائحة تعين الجهات المختصة لرفع مستوى العدالة، ونتمنى لهم التوفيق.

كُتب في قانون | الوسوم: | التعليقات مغلقة

جديد نظام الإجراءات الجزائية (2-2)

تقدم في المقالة السابقة الحديث عن جديد نظام الإجراءات الجزائية الجديد، وذكرت أن من الأحكام القانونية المستحدثة في هذا النظام الأحكام المتعلقة بالاستئناف.
كان النظام السابق يُلزم المحكمة بأن تعرض الحكم على أطراف الدعوى بأخذ قناعتهم في الحكم، فإذا قنع به أطراف الدعوى اكتسب الحكم القطعية، «على أن هناك خلافاً في قناعة المدعي العام، وانتهى عملاً إلى أخذ قناعته كأي طرف من أطراف الدعوى».
أما النظام الجديد، ألزم المحكمة بأن تُفهم أطراف الدعوى بأحكام الاعتراض من دون أن تأخذ قناعتهم بالحكم، وهذا الحكم الجديد مُستفاد من نص المادتين (213) من النظام القديم، ويقابلها المادة (210) من النظام الجديد.
إذ نصت المادة (213) من النظام القديم على أن «الأحكام النهائية هي الأحكام المكتسبة للقطعية بقناعة المحكوم عليه أو تصديق الحكم من محكمة التمييز أو مجلس القضاء الأعلى بحسب الاختصاص».
ويقابلها المادة (210) من النظام الجديد، ونصها «الأحكام النهائية هي الأحكام المكتسبة للقطعية، إما بعدم الاعتراض عليها خلال المدة المحددة نظاماً أو بتأييد الحكم من المحكمة العليا أو صدوره منها».
ويلاحظ أن النظام الجديد استبعد الفكرة القديمة، وهي اكتساب القطعية بقناعة المحكوم عليه، وهو بذلك يعطي المحكوم عليه ضمانة رائعة، إذ جعل له حق الاعتراض خلال المدة المقررة نظاماً، وهي تزيد على 30 يوماً، يتمكن المحكوم عليه من اتخاذ قرار الموافقة على الحكم أو الاعتراض عليه، فإن لم يتقدم باعتراضه اكتسب الحكم الصفة النهائية، وكان في النظام السابق كثيراً ما يتردد المحكوم عليه في اتخاذ القرار في جلسة

مذكرته الاعتراضية وفقاً للمادة (195) من النظام الجديد، وكان في السابق محل خلاف في العمل القضائي.
وبعد أن يقدم المعترض اعتراضه، تنظر الدائرة ما ورد في المذكرة الاعتراضية، فإن رأت العدول عن الحكم أبلغت أطراف الدعوى وعقدت جلسة لذلك، أما إن لم يظهر لها ما يوجب العدول عن الحكم، فترفع المعاملة مع الاعتراض إلى محكمة الاستئناف.
وذكرت في نهاية المقالة السابقة أن الاستئناف على نوعين هما: «استئناف مرافعة»، وذلك بأن يمثل أطراف الدعوى أمام الدائرة المختصة بمحكمة الاستئناف التي تنظر الدعوى من جديد. و«استئناف التدقيق»، والأصل فيه عدم المرافعة إلا إن رأت الدائرة المختصة بمحكمة الاستئناف ذلك كما في المادة (192) من النظام الجديد، وكما ترى أنه يختلف

كُتب في قانون | الوسوم: | التعليقات مغلقة

جديد نظام الإجراءات الجزائية (1-3)

استهلت هذا العام بجملة من الأنظمة التي تعيد ترتيب المؤسسة القضائية من الداخل في شكل جديد، لأجل توحيد الإجراءات، وهي تعتبر نقلة مهمة وملفتة في تاريخ القضاء على المستوى المحلي، ومن ضمن هذه الأنظمة الجديدة الأساسية التي حوت تغييرات جوهرية «نظام الإجراءات الجزائية» الذي صدر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/2) وتاريخ 22-1-1435هـ.

في هذه المقالة، سأركز على ما يتعلق بحقوق المتهم وطرق الاعتراض على الحكم في شكل مختصر.

إذا نظرنا إلى الفقرة الأولى: «يحق لكل متهم أن يستعين بوكيل أو محامٍ للدفاع عنه في مرحلتي التحقيق والمحاكمة». والثانية: «تبين لوائح هذا النظام حقوق المتهم الواجب التعريف بها»، من «المادة الرابعة في الباب الأول و«الفقرة الثانية» هنا تعتبر إضافة جديدة ومهمة داخل النظام، وهي ستحدد بالضبط «حقوق المتهم والتعريف بها في حال القبض عليه» في اللائحة

التي ستصدر بعد 90 يوماً من تاريخ العمل بهذا النظام «وفق ما نصت عليه المادة الـ20 بعد الـ200، وكذلك من ضمن التعديلات الجوهرية للمتهم أمام المحكمة أن يستعين بمحامٍ والمحكمة معنية بتوفير المحامي له بحسب ما نصت عليه «المادة الـ39 بعد الـ100» من الفصل الثاني الذي بعنوان: «حضور الخصوم»، «يجب على المتهم في الجرائم الكبيرة أن يحضر بنفسه أمام المحكمة مع عدم الإخلال بحقه في الاستعانة بمن يدافع

عنه، وإذا لم يكن لديه المقدرة المالية في الاستعانة بمحامٍ، فله أن يطلب من المحكمة أن تندب له محامياً للدفاع عنه على نفقة الدولة وفقاً لما تبينه اللائحة، أما في الجرائم الأخرى فيجوز له أن ينيب عنه وكيلاً أو محامياً لتقديم دفاعه، وللمحكمة في كل الأحوال أن تأمر بحضوره شخصياً أمامها».

وهذه الإضافة الجديدة التي لم تكن مدرجة في النظام القديم وهي من ضمن الضمانات القضائية التي تصب في مصلحة المتهم، واللائحة في حال صدورها سترسم ملامح هذه المادة.

في النظام القديم «طرق الاعتراض على الحكم» كان التمييز وإعادة النظر، لكن في النظام الجديد حدث تعديل جوهري ومهم، فتحت الفصل الأول من الباب السابع «الاستئناف»، اندرج تحته ست مواد (من المادة 192 إلى المادة 197)، وكذلك الفصل الثاني «النقض» وهو يعتبر من الطرق الجديدة في الاعتراض على الأحكام في النظام السعودي، ولم يكن موجوداً في النظام القديم، ويندرج تحته ست مواد (من المادة 198 حتى المادة 203). والفصل الثالث «إعادة النظر» احتوى

ست مواد (من المادة 204 حتى المادة 209).

ومن أهم الفروق بين النظامين القديم والجديد في طرق الاعتراض، أن القديم ليس فيه مرافعة أمام محكمة التمييز إلا في حالات معينة، أما الاستئناف في النظام الجديد فالأصل فيه المرافعة، ويستثنى من ذلك التدقيق بحسب ما يحدده المجلس الأعلى للقضاء، وللحديث بقية سأعرضه في المقالة المقبلة.

كُتب في قانون | الوسوم: | التعليقات مغلقة

ظاهرة العنف الأسري

صدر أخيراً نظام الحماية من الإيذاء بعد موافقة مجلس الوزراء عليه في جلسته الأخيرة الذي جاء في 17 مادة، وإن كان في الحقيقة أنه جاء أخيراً إلا أنه يجب

أن يحتفل به، والأوجب كذلك في الوقت نفسه أن يتم تفعيله على أرض الواقع في أسرع وقت ممكن، وما نرجوه هو أن تصدر اللائحة في شكل يستوعب ضبابية بعض المواد، ويسد الثغرات والنواقص التي تعتري بعض مواد هذا النظام أثناء التطبيق، وإن كان هناك بعض المواد التي تعتبر أنها جددت في بعض الإجراءات المتبعة، وسهلت آلية البلاغ، ووفرت الحماية والضمانات للمبلغ، وكذلك معاقبة من يرى أو يعلم عن حال إيذاء، ويتكتم عليها. الكثير من البيوت فيها من الأسرار والأحزان التي لم تصل إلى الجهات المعنية، ولا يعلم عنها، بحكم أن المعنفة أو

المعنف يخشيان أن ينتج من أخبارهما لأي أحد عن حالات عنف يعانيان منها، سينتج من ذلك ضرر أكبر ومحاسبة ممن يمارس التعنيف والأذى الجسدي واللفظي ضدهما، والكثير من هؤلاء يرون أن الحلول صعبة بل شبه مستحيلة، لأنه ليس لهم مسكن يأويهم ويحميهم من الواقع الذي هم فيه، وليس لهم دخل ثابت يغنيهم عن حاجة أحد، فيضطرون للبقاء تحت رحمة المعنف، وهؤلاء المساكين تجد أرواحهم ذابلة وقلوبهم مزروعة حزناً، والتعب النفسي يسيطر عليهم، وهناك من يفكر بالانتحار أو حاول، وهناك من انتحر بسبب ذلك. إن ملف العنف الأسري يبقى من الملفات الحساسة والمهمة التي تحتاج إلى عناية فائقة من الجهات المعنية، والتعامل معه بحساسية وحذر وبذل كل أنواع الجهد، لأن لنا أخوات وأبناءً وإخواناً يعيشون تحت وطأة الظلم وأصواتهم مغيبة، ولم تصل إلى الجهات المعنية بحكم الرضوخ تحت سلطة الخوف والتفكير بالنتائج في حال إبلاغها، فضلاً عمن لا يستطيع بأي شكل من الأشكال الإبلاغ عن ذلك ومقاومة الإيذاء وتحمل نتائج تبليغه. من الوعي الحقوقي على مستوى الأفراد والمجموعات يجب الاطلاع وقراءة الأنظمة، وأن يعرف كل مواطن ما له وما عليه، ويستحسن الاستعانة بمن يثق فيهم من خبراء القانون والمحامين والمستشارين، من أجل التنوير في فهم نظام الحماية من الإيذاء وغيرها من الأنظمة المرتبطة في

الشكل الصحيح. ونظام الحماية من الإيذاء الجديد هو الآن تحت التفسير والدرس والتجربة، ويحتاج إلى قراءة قانونية واعية، من أجل فهمه ومعرفة إجراءاته على أفضل وجه، وهو يبقى نظاماً جديداً، يحتاج بعض الوقت والتجربة، لتظهر أثاره كحال أي نظام سابق، ولم ينص النظام على المحكمة التي يدخل تطبيق هذا النظام ضمن اختصاصها، إلا أن عموم نظام الإجراءات الجزائية يجعل تطبيق النظام من اختصاص المحكمة الجزائية المختصة. هذه الحروف ما هي إلا لفتة سريعة ومقدمة لأهمية الموضوع الذي يحتاج إلى طرح مكثف في جميع القنوات الإعلامية، من أجل الإسهام في تضيق دائرة العنف الاجتماعي داخل البيوت، ورفع كمية الوعي، ووضع حد لمن يتجاوز الحدود من دون ضمير وحس إنساني يوقظه من غفلته وظلمه، والمقالة القادمة ستكون أكثر تركيزاً في قراءة نظام الحماية من الإيذاء.

 

http://92.52.120.232/OpinionsDetails/551834

كُتب في قانون | التعليقات مغلقة

قانون مكافحة التحرش

المجتمع السعودي يعيش هذه الأيام صراعات مختلفة كلها تدور حول مسائل

فرعية وبعضها يعتبر من فروع الفروع، وهي تعتبر مسائل بديهية وبدائية ولا تستحق كل هذه الخلافات فضلاً عن الانغماس في التراشقات والاتهامات المتبادلة بين الأطراف، ومعظم هذه الصراعات مسكونة بالتعصب والهوى وسوء النية، والانتصار للذوات، والمبالغات التي تتجاوز حدود المنطق والواقع وغيرها، على حساب المبادئ والقيم والروح الموضوعية والنزاهة ومصلحة الإنسان والوطن. فمن هذه المواضيع التي تتصدرها في الحدة والاستعجال في التفسيرات البعيدة والقريبة من دون وعي كافٍ، موضوع المرأة وقانون مكافحة التحرش، والناس في ذلك منقسمين إلى مؤيدين ومخالفين، كل طرف يرى من جانب مختلف، والمتابع للصراع يجد أن المشكلة لا تكمن في: لماذا يختلفون؟ وإنما الاستغراب والإشكال يكمنان في أن البعض تجده ينظر للمرأة كأنها موطن شبهة، والبعض ليست له قضية إلا المرأة، كأن العالم لن يتغير إلا بخروجها على كل ما هو مشروع.

البعض من المحافظين تجده متحفظاً على نظام مكافحة التحرش بشكل غير موضوعي، والعجيب في الأمر كل يوم مجالات العمل للمرأة في ازدياد وتوسع ونسبة التحرش عالية، وهم

ليس لهم دور إيجابي كما يجب، ولا موقف واضح يكون فيه اعتراف بحق المرأة الشرعي والقانوني في العمل، ولا حتى مشاركة في أن تظل المرأة محافظة على قيمها ووقارها بشكل نظامي، مثال ذلك موقفهم من نظام المكافحة.

الذي يجب أن يعرفه البعض حينما لا يتم التعامل مع الظروف ومتغيراتها بما يخدم مقاصد الشريعة، أن ذلك يخلق فجوة بين الواقع وتأثير الشريعة على حال الإنسان، ويسهم في جعل الأمور في يد غير أهلها من حيث يشعر أو لا يشعر بذلك.

الواقع يتجدد بشكل سريع والوعي حاد و يزداد بشكل مختلف، وجيل قادم ممتلئ تساؤلات، والعالم أصبح كالقرية الواحدة، المجتمعات تتأثر ببعضها، وما زلنا نتناقش موضوع الرفض والقبول للنظام، فيما يجب أن يكون النقاش والحوار في دائرة طريقة المطالبة وتنظيمها، واختيار العقوبة المناسبة بالتدرج بحسب القضية.

من أجل تخفيف ظاهرة المعاكسات والتحرش والقضاء عليها فذلك يستلزم تقديم نظام مفضل ومحدد المواد والفقرات، من أجل تطبيقها على القضايا المتفشية، وهذا النظام سيكون له دور كبير جداً في تخفيف الضبابية التي كانت تحتوي آلية التعامل مع قضايا المعاكسات والتحرش، وأن ينتشر الوعي الشرعي النظامي الذي ينظم علاقة الرجل بالمرأة والعكس في جميع الأمكنة.

لا أبالغ إذا قلت: إذا كان هناك تغريب للمجتمع والمرأة خصوصاً، فهو يعود لأسباب مختلفة وعلى رأسها أولئك الذين يتعاملون مع الواقع بظروف الماضي، وعقلية المنع والكبت، فموروثنا الديني والثقافي الاجتماعي كلها مليئة بنماذج جميلة ومعتدلة تضبط مسار الحياة الاجتماعية، خصوصاً في علاقة الرجال والنساء في ما بينهم بالشكل الذي لا يتجاوز حدود الشريعة.

http://alhayat.com/Details/403544

كُتب في قانون | الوسوم: , , , , | التعليقات مغلقة

مراجعات في العقل الأخلاقي ..

يجب على المثقف -خصوصاً من ذوي الأشبار الأولى- مراجعة ذاته وتطويرها، وذلك من ناحيتين:

الناحية الأولى : السلوكية
وهي المتمثلة في

و التي تعكس عقليته الأخلاقية التي تحتاج إلى تجديد أخلاقي، وأدبي ، وتعاملي ، الذي ينتج لنا إنتاجاً معيناً سواء كان ذلك الإنتاج إنتاجاً إيجابياً أو سلبياً.
والمثقف ذاته يدرك هذه الأشياء ويعلمها ويعيشها، فالفعل الإيجابي يولد له راحة الضمير، وطمأنينة النفس ، وهيام الآخرين به ، وحب الخير للخير فحسب ، لا لمصالح شخصية خفية!!
والتي بفعلها يظن أنها ستتحقق له أشياء ربما تكون معكوسة عليه لا على غيره، أو أن تكون مشتركة له ولغيره، ويجب إعطاء النفس مكانها المناسب من دون تضخيم لها أو تحقير.
ويهتم البعض من ذوي الأشبار الأولى بتضخيم الذات، وتضخيم الاستقلالية، والقراءة من أجل التحدث، وحب الثناء والتبجيل، و غيرها من أدواء النفوس.
وإن هذه الأمراض الأخلاقية ناتجة عن الإعجاب بالنفس، ولذا يوجه صاحب “التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول” الإمام علي بن أحمد بن حزم [ت 456هـ] في رسالته “مداواة النفوس” كلاماً بليغاً في القضاء على الإعجاب حيث قال: “فإن أُعجبت بعقلك ففكر في كل فكرة سوء تمرّ بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة بك، فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ”. (1)
ويقول : “رأيت الناس في كلامهم الذي هو فصل بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات ينقسمون أقساماً ثلاثة : أحدها؛ من لا يبالي فيما أنفقه كلامه؛ فيتكلم بكل ما سبق إلى لسانه غير محقق نصر حق ولا إنكار باطل، وهذا هو الأغلب في الناس. والثاني؛ أن يتكلم ناصراً لما وقع بنفسه أنه حق، ودافعاً لما توهم أنه باطل، غير محقق لطلب الحقيقة، لكن لجاجاً فيما التزم، وهذا كثير وهو دون الأول .
والثالث؛ واضع الكلام في موضعه، وهذا أعز من الكبريت الأحمر”. (2)
_ ويتقن البعض صناعة التمثيل في الأدب ، وتجده لا يتقن الأدب النابع من القلب الصادق المخلص ..
_ يقول المفكر أحمد أمين : “ليس معنى التأدب مع الناس ومراعاة ما يليق معهم التملق لهم وخداعهم ، أو إخفاء الحقيقة عنهم. وليس الأدب الذي نطلبه هو أدب المظاهر ، وإنما الأدب النابع من القلب الصادر عن محبة الإنسان لأخيه الإنسان فهو يقوم على أساس احترام الناس ، ومراعاة إحساسهم وأذواقهم ، وتوفير الراحة لهم ، وإن كان ذلك يتطلب كثيراً من ضبط النفس ، ودماثة الطبع .. بمثل هذا الأدب تسير الحياة الإنسانية هادئة في يسر ولين ، يسودها حسن المعاملة واحترام الأشخاص بعضهم لبعض ، فتقل دواعي الاحتكاك و الاصطدام ، وتنقطع أسباب المضايقة. ويتصل الأدب بواجبات العدل من جهة وبواجبات الإحسان من جهات”. (3)
_ إن المثقف الذي يتحلى بالصدق يكرس ثقة الآخرين فيه، مما يرسم له مشواره الثقافي بين أقرانه وأحبابه، بينما إذا زالت هذه الثقة؛ تحدث الحوادث!. وللمفكر الأديب أحمد أمين مقولة أكثر من رائعة حيث يقول : “إذا زالت الثقة بينهم أصبحت اللغة لا معنى لها ، وصار العلم جملة ألفاظ وعبارات لا يصدقها أحد ، وعندئذ تنحط المدينة ، وتسقط الثقافة ، ويعود الناس إلى حياة القرون الأولى”. (4)
_ يقف البعض عند محطة (العادات) فترة طويلة مما يكرس الجفاف والغموض والبلادة الحسية والمعنوية!. وللمفكر أحمد أمين مقولة جميلة أيضاً يقول فيها: “والعادات تحرم الإنسان التفكير؛ فهي تجعله يتعصب لعاداته تعصباً كبيراً، وقلما يفكر فيها وفي تعديلها إلا إذا اضطرته أحوال ملجئة إلى ذلك”.(5)
_ والبعض تهمه نفسه ومصالحه، فيحرص كل الحرص أن يعيش سعادة شخصية، من أجل أن تعود اللذائذ لشخصه فقط، أما الآخرون فينظر إليهم على أنهم مجرد همزات وصل لأغراضه الشخصية التي تتحقق بوجودهم!.
بينما صاحب الإنسانية العالية يتجلى ويتمثل في إنسانيته مذهب السعادة العامة التي تخلق مجتمعاً راقياً ثقافياً مدنياً.

الناحية الثانية: تكون في تكوين أفكاره
* لابد من إعادة صياغة الأفكار وتركيبها وتكوينها وتصحيحها، لكي تحيى الفكرة وتنمو وتسير بشكل متوازن ..
* وكذلك توسيع الأفق العقلي ليحوي أكبر قدر من النظريات و الآراء المعارضة ، التي يكون التعامل معها بالاحترام والتفنيد العلمي.
* وأن تطرح الفكرة على حقيقتها، لا على حقيقة إرادة الملقي المجهولة، التي من خلالها يظن “التميز”.
* وأن يكون التنافس الثقافي ، في دائرته المحمودة لا المذمومة التي تخلق لنا العداوة و البغضاء والحسد..
* ومراجعة الضمير وتطهيره ، وغسله بالقيم الإنسانية الراقية التي تخلق السعادة النفسية التي تنبث من راحة وطهارة الضمير.
* ولابد من تكوين علاقة نقدية مع الذات والأفكار المصنوعة! وتجاوز مرحلة حراسة الأفكار وتقديسها وتصنيمها .

ثانياً: مراجعة المثقف لتعامله مع أقرانه:
– إن المثقف هو الذي ينمي ويعمق جذور “عاطفة الإخاء الإنساني” التي تدفعه إلى فعل الجميل للآخرين عن طيب نفس.
– وإن عاطفة الإخاء الإنساني منطلق للشفقة والرحمة والحنان والمودة والصدق والإخلاص والوضوح مع الصديق، من دون تمثيل، أو مجاملات مذمومة، أو توجيه الشك إلى الآخر ودخول نيته، أو التظاهر بالأدب الذي من خلاله يظن مخادعة الآخرين. إن الأدب الحقيقي هو الذي ينبع من القلب، الذي يخلق لنا محبة الصديق لأخيه، حتى يكون صورة لنفس أخيه، تعكس علاقة ودية مخلصة، لا نفاق فيها.
يقول الأديب المفكر ، أحمد أمين: “فالأدب أشبه ما يكون بالزيت الذي يستعمل في تيسير حركات الآلات الكبيرة، إذ يجعل صلا ت الناس المتعددة في المجتمع الإنساني العام تسير في هدوء ويسر”. (6)

- يجب على المثقف حفظ وفاء قرينه وتقديره له ، وألا ينكر جميله وفضله ، وألا يحوِّل التنافس الثقافي بينهما إلى تنافس سلبي، يخلق علاقات سوداء مُطعمة بالحسد والنفاق والكذب والدجل …
بل الواجب منافسة القرين لقرينه في الأدب والأخلاق الرائعة ، ورد الجميل وخدمته مما يكون علاقة رائدة وناضجة في تاريخ الأقران!.

ثالثاً : مراجعة المثقف لعلاقته ونظرته للمجتمع :
– إن احترام عقول الناس بطبقاتهم المتفاوتة ، والإخلاص والصدق معهم واجب إنساني كبير..
– إن المثقف لن يستطيع التغيير والتطوير والرقي إلا من خلال المداخل الإنسانية:
* المدخل الأول : الصدق مع الناس؛ حتى يغرس ثقتهم فيه.
* المدخل الثاني : الإخلاص لهم؛ مما يعمق العلاقة الإنسانية الرائدة الناجحة.
* المدخل الثالث : الوضوح الذي يصور الحقيقة كما هي ، لا الغموض ولا المقاصد

الذاتية.
* المدخل الرابع : صنع الجميل للآخرين يساهم في كسب القلوب.
* المدخل الخامس : تبليغ الرسالة للناس بشجاعة أدبية ووضوح بعيد كل البعد عن المجاملات والتردد والخوف الوهمي.
* المدخل السادس : الصبر والتحمل لأذى الناس، ومواصلة المشروع الذي لن يتحقق إلا من خلال عقبات ودرجات طبيعية.


(1، 2) مداواة النفوس لابن حزم ص387 ، 381 . المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
( 3 ، 4 ، 5، 6) الأخلاق. تأليف أحمد أمين وأمين مرسى قنديل ص85 – 93 – 103 ، طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر .

لقد نشر قديماً في صحيفة الجزيرة , وموقع الإسلام اليوم بتاريخ الاحد 16 شعبان 1424 الموافق 12 أكتوبر 2003.. رابط الموقع :

كُتب في متنوع | الوسوم: | التعليقات مغلقة